عرض مشاركة واحدة
قديم 04-10-2016, 10:19 PM   #1
angle girl
✿ آلْ مؤسِس
 
تاريخ التسجيل: May 2012
الدولة: gين مآتروح تلقآنيـے
المشاركات: 200,238
معدل تقييم المستوى: 221
angle girl is a splendid one to beholdangle girl is a splendid one to beholdangle girl is a splendid one to beholdangle girl is a splendid one to beholdangle girl is a splendid one to beholdangle girl is a splendid one to beholdangle girl is a splendid one to behold
افتراضي عندما يقربنا الفراق 2016-2018

عندما يقربنا الفراق 2016-2018



لعل البعد هو النأي عمن التقينا بهم مصادفة، أو اقتربنا منهم عن قصد، إلا أن الكلمة تقيس المسافات ولكن لا تحمل عمقاً عاطفياً ولا تحفر أثراً في الذكريات، حتى إن نطق أحرفها سطحية من مقدمة الفم وأطراف اللسان؛ على العكس من كلمة الفراق التي تبدأ من الأطراف وتستقر في قاع الحلق محدثة غصة ومرارة تبقى طويلاً. الفراق كلمة تصف تجربة شعورية عميقة ولقطة زمنية تثير الكثير من الذكريات والمواقف والكلمات، التي جمعتنا بمن أحببناهم ثم فارقناهم إلى غير عودة.

الكلمات في العربية وأعتقد كذلك في سواها؛ تأتي على شكل أُسر أو مجموعات تتشابه في تراكيبها اللغوية، وتحمل صفات متشابهة وتحدث حالة شعورية متماثلة. فالفراق، الأطلال، الحزن، والتأمل جميعها تتضافر كألوان متنوعة ولكن متناسقة كي ترسم لوحة تعبيرية ذات دلالات شعورية محددة. وكلها تعتمد السكينة واعتصار القلب واستدرار الدموع والزفرات المتهدجة.
اشتهرنا كعرب في تجسيد الحزن بتصوير لحظات الفراق والبكاء على الأطلال. ولدينا أعظم من قال في الفراق وأجمل ما قالوه. ورغم أن أغلب ما قد قيل هو من العهد الجاهلي، وهو مشهور إلى الحد الذي أتجنب تكراره عليكم هنا؛ ولكن أجدني مدفوعاً «غريزياً» لذكر طرف من تلك الأشعار قبل أن أكمل المعنى الذي ضمنته عنوان المقال. هذا علي بن العباس الرومي يقرن بين فراق الوطن ومغادرة الروح للجسد فيقول:
وحبَّبَ أوطانَ الرجالِ إليهمُ
مآرِبُ قضَّاها الشبابُ هُنالكا
إذا ذَكَروا أوطانَهم ذكَّرَتْهُمُ
عهودَ الصِّبَا فيها فحنُّوا لذلِكا
لقد ألِفَتها النفسُ حتى كأنّهُ
لها جَسَدٌ إن بانَ غُودِرَ هالكا
لا أدري أتشاركونني هذا الانطباع أم لا؛ ففي أيام الصبا لم نكن نسمع عن الموتى والجنائز إلا نادراً وفي فترات متباعدة قد تطول أشهراً أو حتى سنوات. ولعل أغلبها لأقرباء من الدرجة الأولى أو لزعماء ملأوا الدنيا وشغلوا العالم. ولكن الجنائز في مدينتنا هذه الأيام متتابعة ولا يخلو الأسبوع الواحد من جنائز بعدد أيامه. هل هذا بسبب وسائل التواصل الاجتماعي التي لا تدع شاردة ولا واردة من الأخبار إلى أتت بها في لحظتها؟ أم هي الأمراض التي تكاثرت علينا فأثخنت فينا فتكاً وجنائز؟ أم هي المرحلة العمرية التي تنتقي الأخبار حسب ما يتوافق مع اهتماماتها ونظرتها للأمور؟
كل الذي أدريه أننا في كل يوم نحمل على أكتافنا قطعة من قلوبنا وذكرياتنا، نذهب بها في صمت وسكينة لندسها في التراب، ثم نعود بقلوب فارغة وقد تناقصنا من أطرافنا. حتى نسير في الطرقات بلا قلوب ولا ذكريات .. وحينما يحين وقت المغادرة، نفعلها محملين بقطع من قلوب المحبين ودموعهم. نفارق غير آسيفين «فما خير عيش لا يزال مفجعاً بموت نديم أو فراق حبيب».
هل تجدني يا عزيزي قد استغرقت في الحزن والكآبة؟ أقول لك «خُذ بيدي إلى مدينةٍ لا يَزورها الفراق» حتى أكف عن هذا الحديث.
إلا أن للموضوع وجهاً آخر يستحق التأمل. يقال «رُب موت كالحياة» وأقول إن هناك فراقاً يقربنا أكثر ممن فارقنا، وحتى ممن بقي من جنس من غادرنا من الأحبة! ألا ترون أننا نذكر محاسن موتانا بعد أن نواريهم التراب. وفجأة تتجلى أمام أعيننا صورة لهم مشرقة ومتلألئة كان قربهم منا حائلاً أمام رؤيتها. ألا ترون أننا نتشبث بالحياة ونتعلق بجمالها كلما بدأت تتسلل من بين أصابعنا؟ ألا يقرب الفراق والموت بين من بقي من الأسرة التي ظلت عمراً مشتتة ومتناثرة في أصقاع الدنيا أو مشاغل الأيام؟
إني أجد الموت هو أقسى صور الفراق؛ وهو في الوقت ذاته فرصة ثمينة للاستمتاع بالحياة على الصورة المثلى التي يريدها الله تعالى وتتوافق مع البعد الجميل للإنسانية. وصدق القائل «عندما لا ندري ما هي الحياة، كيف يمكننا أن نعرف ما هو الموت؟». فعندما ندرك حقيقة زوال الأشياء فلن نتعلق بها، بل سنتشبث بالمعاني ونحرص على أن نخلف وراءنا ما يسعد الآخرين ويجعلنا قريبين منهم لحظة الفراق.
كونوا بخير.

angle girl متواجد حالياً   رد مع اقتباس